سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

237

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« ومن معجز الإيجاز ، ذلك الكتاب الذي حوى عزل أمير وتولية أمير وعظم الذنب الذي أسند للمعزول ولزوم تسليم العمل للخلف والسرعة بالمجيء ، وفي كل ذلك لم يتجاوز السطر وإليك نص الكتاب الذي بعثه المغيرة . « أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم إليه ما في يدك والعجل » . وهكذا فإنك ترى في طيات تلك الكلمات الموجزة قد انطوى العدل المطلق ومنها بدأ علم الأخلاق وإليها انتهى مع حفظ وصون الشعور ، وإليك ما قاله لعمرو ابن العاص : إن اللَّه خلق الناس أحراراً فلم تستعبدونهم ؟ ومن خطبة له : « أيها الناس إني ما أرسل لكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم ويرشدوكم فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه . . . ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم » . « لأنه حسب نزول العرب في الغياض يستحلون فيه برد الماء وطيب الهواء وظل الأشجار فيسترخون ما وجدوا في العيش رخاء وتذهب منهم النجدة ويضعف منهم البأس ، هذا ما خشي عليهم منه وحسبه - رضي اللَّه عنه - مضيعة » . وكان مع الأصحاب يرمي في نصحه ووصاياه وبسيط أقواله إلى غرض بعيد من الحزم والتيقظ ، ذلك أنهم ذكروا رجلًا عنده فقالوا : يا أمير المؤمنين ، فاضل لا يعرف من الشر شيئاً ، قال : ذاك أوقع له فيه ! » . « وما زال معين الحكمة وحسن البيان مع الإعجاز في الإيجاز يجريان مع الدولة صعوداً وارتقاء وانبساطا ، حتى إذا أتى دور التقهقر والانحطاط أخذ اللسان وحسن البيان وتلك البلاغة والفصاحة في السقوط والسخافة وفساد التركيب وسقم المعاني وسوء اختيار الألفاظ لدرجة يتعذر على الغالب معها فهم المراد ولا أرى حاجة للإتيان بأمثلة ؛ لأننا من المعاصرين لابتلاء اللسان بهذا الداء . قال : خرجت من صلاة الجمعة في المسجد الجامع في البصرة وفي نفسي حسرة أن أسمع الخطيب